مجمع البحوث الاسلامية
507
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
ثانيهما : أنّها كما يشهد الآيات قبلها ، ولا سيّما الآية رقم ( 49 ) : وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ ، أنّ الحكم فيها راجع إلى القضاء فهي بهذا اعتبار من جملة آيات القضاء ، لكنّهم أرادوا أن يحكم النّبيّ بينهم بحكم الجاهليّة ، وبهذا الاعتبار تدخل في حكم الجاهليّة : 5 - إن قيل : لم عنى تعالى أهل الجاهليّة خطابا واليهود غيابا في آيات سورة المائدة ( 48 إلى 55 ) ؟ يقال : إنّ مشركي مكّة قومه وعشيرته ، وكان يتفانى في هدايتهم ، ويخاطبهم كما يخاطب المرء رهطه ، حتّى أشفق اللّه عليه ، فخاطبه بقوله : لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ الشّعراء : 3 . وأمّا اليهود فلا يمتّ إليهم بصلة ، وكان آيسا من إسلامهم ، لعلمه بعنادهم وإصرارهم على ضلالتهم . كما أنّ سورة المائدة كانت من أواخر السّور الّتي نزلت في المدينة - ولا تكون آخرها إطلاقا - وكانت تلك الفترة تمثّل ذروة الصّراع بين المسلمين واليهود . المحور الثّالث - حكم اللّه وقضائه في العقيدة في 29 آية : ( 11 - 39 ) ، وأكثرها ما يحكم اللّه به في الآخرة بين عباده المؤمنين الصّالحين ، والكافرين المكذّبين ، كما جاء في جملة منها : يَوْمَ الْقِيامَةِ ، * أو سَرِيعُ الْحِسابِ ، * أو وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ، * أو أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ ونحوها . وكلّها يناسب الآخرة ، وفيها بحوث : 1 - قصّر اللّه الحكم على نفسه في ثلاث منها : ( 11 - 13 ) بسياق النّفي والاستثناء إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ، * وفي ثلاث بعدها ( 14 - 16 ) بتقديم الخبر ( لَهُ الْحُكْمُ ) * ، ويبدو أنّ السّياق الأوّل آكد في الحصر من الثّاني . إلّا أنّ ( 14 ) من بينها بدأت بأداة الاستفتاح ( الا ) وهي تؤكّد الحصر . ونظيرها أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ الأعراف : 54 . أمّا في ( 17 ) فجاء بدلها فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ ، والحصر فيه مستفاد من تعريف المبتدأ ولام الاختصاص ، وتوصيف الخبر بوصف يختصّ باللّه تعالى ، وهو ( الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ) * ، ومثلها ( 19 ) إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ . وأمّا في ( 18 ) فالحصر مصرّح به بأنّه لا يشرك في حكمه أحدا ، وما قبله تمهيد له : ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً . وهكذا سائر الآيات ، فلا يخلو شيء منها من إفادة اختصاص القضاء والحكم بين العباد - ولا سيّما في الآخرة - باللّه تعالى ، إمّا بتقديم الفاعل على الفعل مثل ( 27 ) أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ ، و ( 28 و 29 ) فَاللَّهُ يَحْكُمُ ، * أو بتمهيد يفيد الحصر مثل ( 20 ) فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ ، و ( 26 ) ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ ، و ( 31 ) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ . 2 - وجاء طلب الحكم من اللّه مرّة في ( 21 ) رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وفيها ثلاثة أبحاث : الأوّل : في قرائتها على وجوه قد حكاها الطّبريّ وقال : « فقرأته عامّة قرّاء الأمصار : ( قل ربّ احكم ) أي كما هو شائع الآن ، وأيّدها بإجماع الحجّة من القرّاء عليه ، وبشذوذ ما خالفها - ، خصوصا قراءة الضّحّاك